مدونة قانونية متخصصة هدفها خدمة وتطوير المجال القانوني في الوطن العربي

أحدث الموضوعات

الجمعة، 29 أغسطس 2025

العلاقة بين المنطق والدين


مشهد نهاري داخلي :

قاعة محاضرات صغيرة الحجم مكتوب عليها " قاعة محاضرات الدراسات العليا " يدخل إليها ، يدخل الأستاذ الجامعي داخل القاعة ، ويجلس على الكرسي المخصص له ، ثم يبدأ في التحدث إلى الطلبة

الأستاذ الجامعي : إزيكم ....أتمنى تكونوا بخير ...موضوع المحاضرة النهاردة عن علاقة الدين بالمنطق ....ناس يامة جدا بتحاول تمنطق الدين ، يعني توجد علاقة ما بين الدين والمنطق ، والناس دول كان اسمهم زمان الفلاسفة المسلمين زي ابن سينا والفارابي والغزالي اللي نقلوا فلسفة اليونان وربطوها بالدين الإسلامي فأنتجوا لنا منتج غريب اسمه الفلسفة الإسلامية

طالب : منتج غريب اسمه الفلسفة الإسلامية ؟!

الأستاذ الجامعي : أيوة ..الفلسفة مش جزء من الإسلام ..دي منتج غربي أضيف إلى الإسلام من الفلاسفة المسلمين

طالب 2 : والفلاسفة المسلمين اللي نقلوا الفلسفة للإسلام حصل معاهم ايه ؟

الأستاذ الجامعي : تم تكفير واغتيال أغلبهم إن لم يكن كلهم يعني .

( الطلبة يندهشون )

الأستاذ الجامعي : نرجع لمرجوعنا ونقول : إن المنطق ليس له علاقة بالدين ، المنطق معناه قواعد التفكير المنهجي المتسلسل السليم الصحيح ، والدين معناه معتقدات يلتزم بها شخص خضوعا لشريعة دينية معينة ، المنطق له بعد عرضي يعني بيفترض وجود حجج يتم طرحها وتبادلها وتفنيدها بين شخصين على نفس المستوى ، لكن الدين له بعد طولي بيفترض وجود أوامر ونواهي عليا تنزل من السماء على شخص يعيش على الأرض فينفذها ..وخلوا بالكم ...كلامي هنا نابع من علم المنطق بوجه عام ، وعلم الأديان بوجه عام ، دون التقيد بمنطق معين أو ديانة معينة

طالبة : طب هو ما ينفعش نستخدم المنطق لخدمة الدين ؟

الأستاذ الجامعي : حلو أوي السؤال ده ....البعض بيستخدم المنطق كأداة لخدمة الدين على أساس إن الدين أمر عقلاني يُفهم بالعقل ، و ربنا عرفوه بالعقل ، وبالتالي يمكن تطويع المنطق لخدمة الدين ، عن طريق عقلنة الدين بقصد الإصلاح الديني أو تنقية التراث الديني اعتمادا على قواعد المنطق الديني ، وده للأسف اتجاه غير موفق في حالات كتير إلا بضوابط وشروط معينة هنبقى نتكلم عنها بعدين

لكن الأغلب بقا بيشوف إن المنطق علم يوناني وضعي غربي يجب إبعاده تماما عن الدين لأنه لا علاقة له بالدين ، وربط المنطق بالدين يؤدي إلى خلط الأمور الفلسفية بالأمور الدينية وده محظور ، وإخضاع معتقدات ونصوص وطقوس وقصص الدين لقواعد المنطق الصارمة ، وده محظور أكتر ، ناهيك عن أن المنطق هرطقة و مُحدثة وبدعة لم تكن في الدين من الأساس ، وطبعا زي ما احنا عارفين كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل هرطيق أو زنديق مآله إلى الجحيم

طالبة 2 : يعني كدة حضرتك مؤيد للرأي التاني اللي مضمونه :

 لا علاقة بين المنطق والدين

الأستاذ الجامعي : بالظبط كدة ...برافو عليكي ...

طالبة 3 : أنا شايفة إن المنطق ضد الدين

الأستاذ الجامعي : هل المنطق ضد الدين والا مع الدين ؟ ده مش موضوعنا ، مش موضوعنا اننا نتكلم عن موقف الدين من المنطق ، موضوعنا النهاردة هو العلاقة العكسية بين المنطق والدين أو نفي العلاقة بين المنطق والدين .

المنطق بيعتمد على أمور واقعية أمام الطبيعة ، وما هو منتمي للواقع ، وما هو منتمي للحياة الآنية المعاصرة ، لكن الدين في أغلبه بيعتمد على أمور غيبية وراء الطبيعة ، وما هو منتمي للغيب ، اللي هي عوالم محجوبة عن إدراكنا الحسي الدنيوي ويصعب إثبات وجودها اعتمادا على الحواس الخمسة زي إدراك الله والملائكة والجن والشياطين ، كل العالم ده يستحيل إدراكه حسيا وعلميا وواقعيا بالنسبة لكل الناس في الوقت الحالي ، لكن هيتم إدراك العالم ده في اليوم الأخير أو يوم الدينونة أو يوم القيامة بحسب المرويات الدينية ، وبالتالي بيحيلك الدين لأن تعمل من أجل الحياة الآخرة وده عكس اتجاه المنطق تماما زي ما لاحظنا مع بعض يعني نقدر نقول إن خط سير المنطق دنيوي لأن المنطق بيهتم بالعمل من أجل الحياة الدنيا ، وخط سير الدين أخروي لأن الدين بيهتم بما في الحياة الآخرة

المنطق كمان بيعتمد على التفكير والشك والاستدلال والاستنباط والقياس وعدم التسليم بأي فرضية ، لأن الشك منطقيا أمر مقبول بل ومطلوب ، لكن الدين بيعتمد على الإيمان والإيقان والتسليم بثوابت الدين والغيبيات ، لأن الشك دينيا أمر مرفوض بل ومذموم

المنطق بيعتمد على الحوار والمناقشة والتفكير والجدال ، لكن الدين بيعتمد على الأوامر والنواهي اللي انت لازم تؤمن بيها وتنفذها بدون تفكير وبدون مناقشة وبدون تفكير وبدون جدال ، جه وقت الصلاة قوم صلي مع جماعة المصلين ، جه وقت الصيام صوم زي كل الصائمين ، ما فيش مجال لأنك تناقش في الدين وتقول:

لماذا أصلي ؟ ....أو لماذا أصوم ؟

طالبة 4 : إزاي ده ؟! ....ربنا أمر بالمجادلة وفيه أشكال وأنماط للحوار الديني والمناظرات الدينية ! 

الأستاذ الجامعي : أنا باتكلم عن جوهر الدين ، مش عن أسلوب ممارسة الدين أو أساليب الدعوة إلى الدين ، مجالات الحوار الديني والمناظرات الدينية مجالات دخيلة على الدين وليست من الدين ، الدين في جوهره مجموعة أوامر ونواهي لا تقبل الفصال فيها أو الجدال عليها ، دورك كشخص متدين انك تسمع.. تعرف ...تطيع.. تنفذ ، الفقه الديني اللي تسبب في وجود اختلافات فقهية بعد كدة ده أيضا شيء حديث عن الدين ولاحق عليه ، مش سابق ولا معاصر ليه  ...فهمتني ؟

طالبة 5 : طب يعني ما ينفعش نتجادل مع الناس في حوار ديني بالتي هي أحسن؟

الأستاذ الجامعي : ينفع طبعا ...الحوار الديني ده أداة من أدوات الإصلاح الديني ..وده هنتكلم عليه بعدين مش دلوقتي ..احنا بنتكلم دلوقتي عن نفي علاقة المنطق بالدين ...نرجع لمرجوعنا ...المنطق بيعتمد على النتيجة والسبب والعلاقات بينهما ، لكن الدين أي حاجة مش موجودة فيه بتبقى كفر وإلحاد وشرك وزندقة وهرطقة

المنطق بيرفض المغالطات المنطقية كأدلة على الإثبات أو النفي , وبيعتبر المغالطات المنطقية أدلة باطلة وخاطئة ومعيبة ولكنها تظهر بمظهر الأدلة الصحيحة لذلك يجب تفنيدها ودحضها وعدم قبولها في الحوار أو الطرح ....ما ينفعش تقنعني بشيء لم أدركه اعتمادا على قوة أو سلطة معينة انت بتخوفني بيها بسبب عدم إيماني بما تقوله لي , ما ينفعش تقنعني بشيء لم أدركه اعتمادا على نقدك ليا أو طعنك فيا وفي شخصي

لكن الدين بيعتمد على المغالطات المنطقية كأدلة للترهيب والترغيب ...عليك أن تؤمن بكذا وإلا سيتم تطليقك من زوجتك وسجنك وبعد أن تموت ستُلقى في الجحيم ( ودي مغالطة الاحتكام للقوة أو السلطة )...انت لا تؤمن بكذا لأنك فاسد وضال وزنديق وهرطيق ( دي مغالطة الشخصنة ) حيث تقبيح الآخر لمجرد أنه يختلف معك في الدين أو المذهب الديني أو رأي داخل المذهب الديني

( يظهر طالب يحاول أن يفهم ويجد صعوبة في الفهم )

الأستاذ الجامعي : الدين بيعتمد على تصديق القصص والأخبار من باب الإيمان بوجودها والتسليم بصحتها ، لكن المنطق بيعتمد على تحليل وتفنيد ونقد القصص والأخبار ، ومدى ترابط أحداثها والعلاقات داخلها من حيث الزمان والمكان والأشخاص والأسباب والموضوع , المنطق بيعتمد في أحد جوانبه على القصص والأحداث الواقعية اللي هي خاضعة لقوانين الطبيعة ، لكن الدين بيعتمد في أغلب جوانبه على المعجزات والكرامات اللي هي أوامر خارقة لقوانين الطبيعة

ما ينفعش المعجزة تبقى منطقية لأنها لو بقت منطقية هتبقى حدث طبيعي واقعي عادي، ما ينفعش أقول لك إن مولانا فلان الفلاني كان بيروح الشغل الصبح بعد ما يفطر ، وينام ع السرير بالليل بعد ما يتعشى فين الأكشن هنا ؟ فين المعجزة ؟.....قصة بشرية روتينية عادية مملة جدا

لكن ينفع أقول لك إن مولانا فلان الفلاني كان بيروح الشغل الصبح راكب سجادة طائرة ، ويرجع بالليل يتعشى سجق لأنه كان عنده خادم من العالم الغيبي بيجيب له طاسة سجق مقلية كل يوم ...هنا فيه أكشن ....وفيه حكاية حلوة.... أنا شخصيا مش عاوزها تخلص....وعاوز أشوف الخادم اللي من العالم الغيبي ده شكله عامل ازاي ؟...وبيجيب السجق منين ؟ ....وبيطبخه فين ؟ وإزاي ؟

( يبتسم الطلبة )

الأستاذ الجامعي : مش فاهم أنا ايه علاقة العفاريت بالسجق ؟...تلاقي الواحد من دول يطلع له عفريت أول حاجة يطلبها منه طاسة السجق ...طب اطلب مندي مثلا ، اطلب كبسة ، اطلب برياني باللحم ...الله يخرب بيت السيما اللي بوظت عقول الشباب... وغلت علينا أسعار السجق

( يضحك الطلبة )

الأستاذ الجامعي : أرجع أقول تاني خلاصة كلامي : بالتي هي أحسن كدة يجب الفصل التام بين المنطق والدين ، لأن ببساطة شديدة الواقع المعاصر أكد لنا إن الدين لن يُخضع المنطق له ، بل على العكس المنطق هو الذي سيُخضع الدين له ، ومن ثم ستترتب على هذه العمليات إشكاليات كثيرة جدا داخل الدين لن يرضى عنها المتمسك بقواعد وثوابت الدين ، وهيسعد بالإشكاليات دي جدا من يطعن أو يشكك في ثوابت الدين عشان كدة كبار رجال الدين حذروا من التعمق في دراسة المنطق بالشكل اللي يهمش المعتقدات الدينية لدى الفرد مع الوقت ، ويطرح أسئلة نقدية للدين نفسه اللي هي التساؤلات اللي بيسميها رجال الدين شبهات حول الدين

طالب : مين من كبار رجال الدين رفض التعمق في دراسة علم المنطق ؟

الأستاذ الجامعي : كتير جدا على سبيل المثال :

 شيخ الإسلام ابن تيمية بيقول عن علم المنطق : " ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله ، وينهون عنه وعن أهله " ... 

والإمام السيوطي بيقول صراحةً : " فن المنطق فن خبيث مذموم ، يحرم الاشتغال به ." 

وفيه كتاب كمان في الفقه  اسمه " نصيحة المسلم المشفق لمن ابتلي بحب علم المنطق " بينصحك مؤلف الكتاب ده انك تتجنب الوقوع في حب المنطق ! .

 ناهيك عن كتب رجال الدين المسيحيين اللي بتتكفل بالرد على مدارس النقد والتشكيك في الكتاب المقدس وأقوال وكتابات الفلاسفة المهرطقين على حد أوصافهم .

طالب آخر : طب والحل أيه ؟ إزاي ممكن نستفيد من إدخال المنطق في حيز الدين ؟

الأستاذ الجامعي : إدخال المنطق في حيز الدين لازم يكون بقدر معين وبحكمة بالغة , لأن ده أسلوب من أساليب إصلاح وتطوير النظم الدينية ، وإصلاح وتطوير النظم الدينية ده موضوع كبير فيه مدارس واتجاهات ومناهج و ضوابط هنتكلم عنها إن بعدين في المحاضرات القادمة بإذن الله لأن وقت المحاضرة انتهى ...حد عنده سؤال ؟

( يصمت الطلبة )

الأستاذ الجامعي : ها يا شباب حد عنده سؤال أو استفسار أو نقد أو إضافة أو تعليق على الكلام اللي انا قلته ؟ ..ها ...مافيش ...طيب طالما ما حدش عنده حاجة عاوز يقولها يبقى ننهي المحاضرة على كدة وأشوفكم على خير إن شاء الله في المحاضرة الجاية ...بعد إذنكم

( يخرج الأستاذ الجامعي من قاعة المحاضرات ، ويترك الطلبة ، وينتهي المشهد )

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad

Your Ad Spot
(code-box)